محمد بن محمد ابو شهبة
307
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
فأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها ، ويكف عنا ؟ قالوا : بلى يا أبا الوليد ، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا ابن أخي ، إنك منا حيث قد علمت من السطة « 1 » في العشيرة والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفّهت به أحلامهم ، وعبت به الهتهم ودينهم ، وكفّرت من مضى من ابائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قل يا أبا الوليد أسمع » . قال : يا ابن أخي إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد به شرفا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا « 2 » تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه . حتى إذا فرغ عتبة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يستمع منه قال : « أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ » قال : نعم ، قال : « فاسمع مني » قال : أفعل ، فقال : حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 4 ) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ ( 5 ) . . . . ومضى رسول اللّه يقرؤها ، فلما سمعها عتبة أنصت إليها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه ، ثم انتهى رسول اللّه إلى السجدة منها فسجد ، ثم قال : « قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فأنت وذاك » ! !
--> ( 1 ) الخيار والوسط . ( 2 ) الرئيّ كغني التابع من الجنّ .